الدولة*
المحور الأول: مشروعية الدولة وغاياتها **
غاية الدولة:***
الحرية والأمن إن الغاية القصوى من تأسيس الدولة ليست السيادة في – نظر باروخ اسبينوزا – بل إتاحة الفرصة لأجسام الأفراد وعقولهم بأن تقوم بوظائفها كاملة في أمان تام ودون خوف، بحيث يتسنى لهم أن يستخدموا عقولهم استخداما حرا، لأن الحق الوحيد الذي تخلى عنه الفرد هو حقه في أن يفعل ما يشاء، وليس حقه في التفكير والتعبير، أي أن يحتفظ قدر المستطاع بحقه الطبيعي في الحياة، وفي العمل دون إلحاق الضرر بالغير.
إذن فالغاية الحقيقية من قيام الدولة – حسب اسبينوزا – هي حرية التفكير، وضمان الأمن للأفراد، .ومن يسلك ضد مشيئة السلطة العليا يلحق الضرر بالدولة
الدولة تحقق للروح المطلقة***
إن الدولة في – نظر فريديريك هيغل – هي التحقق الفعلي للروح المطلقة، وهي فكرة عقلانية موضوعية وكونية ذات طابع أخلاقي، كما أنها تمثل إرادة جوهرية متجلية، وبينة لذاتها، تعرف ذاتها وتفكر فيها، إن الدولة بوصفها تحققا للإرادة الجوهرية، هي غاية في ذاتها، لا يتوقف دورها ووظيفتها على الحماية والأمن، ولا يختزل في فرض السيادة والإخضاع، بل يمتد – في نظر هيغل – إلى نشر القيم الروحية والأخلاقية، والمبادئ العقلية الكونية، وهي قيم ومبادئ أساسية بالنسبة للمجتمع حتى يتمكن الإنسان من الاعتراف بإنسانيته.
المحور الثاني: طبيعة السلطة السياسية**
السياسة صراع***
ينبغي على الأمير – حسب نيقولاي ماكيافيلي – أن يستخدم كل الوسائل المتاحة للحفاظ على السلطة، وذلك بالاعتماد على القوانين إن كانت كافية، وعلى القوة إن اضطر إلى ذلك، أن يكون مستقيما في سلوكه، حافظا لعهده، أمينا في أعماله، إن حافظ ذلك على ملكه، وأن لا يفي بوعد سيضيع مصلحته، وأن يلتجئ إلى المكر والخداع والتمويه للبقاء على سلطته، مع القدرة على إخفاء هذه الصفات على الناس البسطاء، لأن من يمارس الخداع سيجد دائما بين الناس من يقبل إن ينخدع بسهولة، ويجب على الأمير – في نظر ماكيافيلي – أن يستخدم كل الوسائل الممكنة للحفاظ على السلطة، سواء كانت مشروعة أم غير مشروعة.
السياسة اعتدال ***
إن حسن المُلك لدى السلطان في – نظر عبد الرحمن بن خلدون – يعود إلى الاعتدال، فإن كان السلطان قاهرا باطشا بالعقوبات شمل الرعية الخوف والذل، والتجئوا إلى الكذب والمكر والخديعة، وإن كان رفيقا بهم متجاوزا عن سيئاتهم استناموا إليه ولاذوا به، إن الذكاء عيب في صاحب السياسة، لأنه إفراط في الفكر، يكلف الرعية فوق طاقتهم لنفوذ نظره، كما أن البلادة إفراط في الجمود، والطرفان مذمومان من كل صفة إنسانية، والمحمود – حسب ابن خلدون – هو التوسط، كما في الكرم مع التبذير والبخل.
المحور الثالث: الدولة بين الحق والعنف**
العنف المادي المشروع***
تقوم كل دولة – حسب ماكس فيبر – على العنف المادي باعتباره الوسيلة الناجعة لممارسة السلطة، وهكذا فالدولة المعاصرة هي تجمع بشري يطالب في حدود مجال ترابي معين بحقه في احتكار استخدام العنف المادي المشروع، وذلك لفائدته، إن ما يميز عصرنا هو أنه لا توجد جماعة سياسية، ولا يوجد فرد يكون من حقهما استخدام العنف، إلا شريطة موافقة الدولة على ذلك، وهكذا تعتبر الدولة – في نظر فيبر – هي المصدر الوحيد «للحق» في ممارسة العنف المادي.
دولة الحق والقانون***
إن دولة الحق والقانون تؤدي إلى ممارسة معقلنة للسلطة – في نظر جاكلين روس – وهي دولة تتخذ ثلاث ملامح وهي: الحق: الذي يتمثل في احترام الحريات الفردية والجماعية التي تتمسك بالكرامة الإنسانية ضد كل أنواع العنف والقوة والتخويف. القانون: أي أن الكل يخضع لقانون وضعي تابع للمبدأ الأخلاقي، مع إمكانية حمايته من لدن قاض. فصل السلط (السلطة التنفيذية، التشريعية، القضائية): وهي الآلية التي تحمي الدولة من السقوط في يد الاستبداد. إن دولة الحق والقانون ليست صيغة جامدة، وإنما – هي حسب روس – عملية بناء وإبداع دائم للحرية
استنتاجات عامة **
لقد أوجد المجتمع جهاز الدولة استجابة لمجموعة من الحاجيات، وتحقيقا للكثير من الغايات وعلى رأسها: الحفاظ على الأمن، وضمان ممارسة الحريات الفردية والجماعية، والتصدي للأخطار الخارجية، ومعاقبة التجاوزات في الداخل، وكذلك السهر على تربية وتكوين المواطن من خلال تعليم المبادئ العقلية، ونشر القيم الأخلاقية، ومن هذه الأهداف والغايات تستمد الدولة مشروعيتها.
العنف*
المحور الأول: أشكال العنف **
قبل الحديث عن أشكال العنف وأسبابه وآليات ممارسته، نرى من الضروري أولا أن نحد مفهوم العنف، يقصد بالعنف عموما خاصية ظاهرة أو فعل عنيف، فنقول زلزال عنيف أو انفجار عنيف، وفي المجال السياسي يقصد بالعنف الاستعمال اللامشروع وغير العادل للقوة حسب معجم لالاند، ومن ثم فإن العنف هو إلحاق أذى جسمي أو نفسي أو معنوي بفرد أو جماعة بشرية، وبالتالي فإن العنف تعددت أشكاله، منها: العنف المادي، العنف الجسدي، العنف النفسي، العنف المعنوي، كما تنوعت أدوات وتقنيات ممارسته بدأ من الكلام إلى وسائل التعذيب الحديثة التي أنتجتها الحضارة الحديثة، ومن ثم انتقلنا من عنف الطبيعة (الزلازل، البراكين، الفيضانات...) إلى عنف الإنسان إلى درجة أصبح العنف يشكل جوهر الإنسان وماهيته، لذلك يعرف "روجيه دادون" الإنسان في كتابه "العنف" بالكائن العنيف الذي يتحدد بأنه مبني داخليا وعضويا بالعنف، لقد عرف تاريخ البشرية أشكالا متعددة للعنف، حيث بدأ بممارسة القوة العضلية إلى التفوق الرمزي والعقلي، وهذه السيرورة تعكس مدى محايثة العنف للبشر، وصعوبة التخلص منه أو تجاوزه رغم التطور الهائل الذي عرفه الإنسان في مجالات حياته، ولذلك يرى فرويد أن القوة العضلية الأكثر تفوقا هي التي كانت تقرر من يملك الأشياء وإرادة من تسود، إلا أن في اللحظة التي أدخلت فيها الأسلحة بدأ التفوق العقلي يحل محل القوة العضلية الغاشمة (فرويد، أفكار لأزمنة الحرب والموت ....).
إن العنف إذن واقعة اجتماعية وتاريخية انتشرت في المجتمعات الإنسانية الراهنة، بل أكثر من ذلك، إن تطور البشرية صاحبه تطوير تقنيات ووسائل ممارسة العنف إلى درجة دفعت ببعض الفلاسفة إلى القول إن الحرب أو العنف هو محرك التاريخ، وبالمقابل طورت البشرية عبر تاريخها آليات ووسائل للحد من انتشار ظاهرة العنف، حيث لعبت الديانات والثقافات ومؤسسات المجتمع المدني ذات النزعة الإنسانية والأخلاقية دور الكابح المعنوي والأخلاقي للقضاء على العنف أو على الأقل التقليل من انتشاره، من هنا تأتي قيمة مواقف الفلاسفة من ظاهرة العنف، نذكر على السبيل المثال لا الحصر موقف اريك ويل الذي جعل مهمة الفيلسوف تكمن في نبذ العنف والقضاء عليه أو على الأقل الحد منه لنشعر الإنسان بكرامته في حياته اليومية، من أجل بناء مجتمع مدني يقوم على الحوار والتعايش بدل الحروب والعنف، فهل وفقت الدولة الحديثة والنظام الديمقراطي في تثبيت ثقافة الحوار والتسامح والقضاء على العنف، أم أن هذا الأخير أكثر رسوخا وأعمق أثرا في المجتمعات الراهنة؟
المحور الثاني: العنف في التاريخ**
إذا كانت السلطة هي الأداة الضرورية لتحقيق قيم إنسانية مثلى، سياسية كانت أم أخلاقية، مادامت هذه القيم مرتبطة ارتباطا وثيقا بطبيعة السلطة التي يتعين عليها ترجمتها على أرض الواقع، فإن مقاربة مفهوم السلطة انطلاقا من التاريخ البشري تصطدم بظاهرة العنف الذي يعد من مكونات السلطة وركائزها الأساسية، وهو في نفس الآن يهدد وجودها واستمراريتها، وعليه فإن كل القيم الأخلاقية والسياسية تظل مرتبطة بشكل أو بآخر بظاهرة العنف.
لم يحضر مفهوم العنف في الفلسفة اليونانية كإشكالية فلسفية متميزة وواضحة المعالم، بحيث لا نصادف في حوارات أفلاطون، ولا في الكتب السياسية أو الأخلاقية لأرسطو قولا حول حقيقة العنف وماهيته، ومع ذلك فإن كتابات أفلاطون وأرسطو تبقى في عمقها مناهضة لكل شكل من أشكال العنف، حيث يعتبران أن السياسة الحقة هي التي تتميز بالمساواة والانسجام الفردي والجماعي وتحقق الوحدة والتضامن، وتغيب فيها كل مظاهر العنف والصراع، الشيء الذي لا يحصل في نظام الطاغية الذي يقوم على العنف والسيطرة، لأن ما يتوخاه الطاغي هو إخضاع الناس واستعبادهم بغية تحقيق مصالح فردية وخاصة.
نفس الأمر نجده لدى الفارابي حيث يشير في كتابه "آراء أهل المدينة الفاضلة" إلى أن الغلبة والقهر من خاصيات المدينة الضالة لا المدينة الفاضلة، إذ يقول في هذا السياق: "مدينة التغلب وهي التي قصد أهلها أن يكونوا القاهرين لغيرهم، الممتنعين أن يقهرهم غيرهم، ويكون كدهم اللذة التي تنالهم من الغلبة فقط". يمثل العنف إذن عنصرا أساسيا في العلاقات الاجتماعية ولاسيما في المرحلة الطبيعية حيث يخضع فيها الإنسان لأهوائه وغرائزه ويمارس العنف على أخيه الإنسان من أجل البقاء والحفاظ على الذات، والحق ينال بممارسة القوة والعنف، كما يذهب إلى ذلك هوبز حيث يصف الحالة الطبيعية الأولى للإنسان بأوصاف قاتمة، منها: "حرب الكل ضد الكل"، لكن ماركس يرى أن العنف إفراز تاريخي نتج عن تعارض المصالح لما ظهرت الملكية الفردية، ومن ثم فإن العنف لا يمثل أحد المكونات الطبيعية للسلطة، بل هو ناتج عن الواقع الاجتماعي، وعليه فإن الدولة والعنف قابلان للتغير والاختفاء في ظروف تاريخية مغايرة.
نخلص إذن إلى أن العنف في نظر ماركس ضرورة تاريخية، ولكن يجب القضاء على كل مظاهره بعد المرحلة الانتقالية المتمثلة في دكتاتورية الطبقة البروليتاريا، ومن ثم يتعين تهيئ وتنظيم الثورة وتأطير العنف الجماهيري، أما ميشل فوكو فيرى أن العنف متواجد في عدة مستويات وله مظاهر مختلفة، وكثيرا ما يرتبط بالسلطة وبالسياسة والظروف التاريخية: فهناك عنف في المعرفة والخطاب، وعنف في القوانين، وعنف في المؤسسات الطبية والملاجئ، وعنف في السجون ...، على أن العنف الذي يحمل دلالة خاصة بالنسبة للمجتمع الحديث هو ذلك الذي يتجلى في مؤسسات السجون، فيتعرض الإنسان في السجن لأفظع أشكال التعذيب الجسدي والنفسي،
إن الغاية المتوخاة من ممارسة العنف تتمثل في تطويع الأجساد وتذويب العقول وغرس الرعب في النفوس، قصد إقبار كل نزوع إلى العصيان والتمرد والقضاء بصفة نهائية على كل روح نقدية، ولما يفرج عن الإنسان يكون فاقدا لذاته ولوعيه الاجتماعي وفي اغتراب تام.
المحور الثالث: العنف والمشروعية**
إن السلطة السياسية بمعناها الحديث لا تقوم على السيطرة والغلبة والعنف كما يذهب إلى ذلك كثير من المفكرين الذين يعتقدون أن من أهم القواعد السياسية التي يجب أن يتمسك بها الفاعل السياسي، وهي ضرورة اللجوء إلى العنف الذي يعد من المكونات الأساسية لكل عمل سياسي يتوخى النجاعة والفاعلية، ما دامت السياسة مجال للصراع الدائم والمستمر حول القيادة والزعامة، فالعنف إذن هو الشرط الأساسي الكفيل بتحقيق التوازن الاجتماعي، حيث يحافظ على كيان المجتمع، بل ينقذه في الحالات المتأزمة، يمكن الحديث عن تداخل عضوي بين العنف والسياسة لكن السلطة السياسية اليوم أصبحت تتأسس على التجاور والتواصل والتداول، ومن هنا فإن العنف يتعارض جوهريا مع الممارسة السياسية، بل يقصيها ويغيبها مادام يرتبط بأفعال غير سياسية في عمقها، مثل التحايل، الضبط أو التطويع الاجتماعي والتحذير الاديولوجي،
ولذلك، تقول "حنا أراندت" في كتابها "ما هي السياسة" "إن السلطة والعنف يتعارضان: فحين يحكم أحدهما حكما مطلقا يكون الآخر غائبا، ويظهر العنف لما تكون السلطة مهددة"، ومن ثم يمكن القول إن الفلسفة السياسية بمفهومها الحديث تنبذ كل أشكال العنف لأنها تهدف أساسا إلى التفكير والتأمل في القيم الإنسانية في بعدها السياسي والأخلاقي استنادا إلى الحوار والاعتراف بالغير مهما كانت خصوصيته السوسيو ثقافية (اللغة، الدين، العادات والتقاليد...)، فالفلسفة وجدت من أجل مواجهة ومحاربة العنف،
ولذلك تواجه العنف غير المشروع بالعنف المشروع، أي بالخطاب المعقول والمتماسك، أو كما يسميه "إريل فايل" باللاعنف الذي هو نقطة البداية والهدف المنشود لكل ممارسة فلسفية، لكن السؤال الذي يفرض نفسه في هذا السياق مفاده: هل نجحت الفلسفة في هذه المهمة، أي القضاء على العنف؟ أو على الأقل الحد من انتشاره؟
في الواقع إنه إذا تم الاتفاق أن هناك تقهقرا أو تراجعا للعنف السياسي والاقتصادي، فإن هناك أشكال أخرى من العنف بدأت تتقوى ويتسع مجالها في الحياة الإنسانية، مثل عنف الملاعب الرياضية، والمدارس، وعنف الجماعات المتطرفة، وعنف الأسرة إلخ ...، لذلك فإن المهمة الأساسية للفلسفة ورهانها الأساسي هو احتواء كل مظاهر العنف ومحاربتها بوصفها تهديدا للعقل، وضد الخطاب المتماسك والنقدي، ومن ثم ضد الترابط الاجتماعي وقيم الحداثة، لأن مثل هذه الممارسات التي تتأسس على العنف هي تهديد للإنسان، ومع ذلك فإن اللجوء إلى العنف يمكن تبريره واعتباره ممارسة عقلانية ومنطقية في بعض الحالات، مثل: الدفاع عن النفس، مقاومة الاضطهاد ومحاربة العنصرية، كما تذهب إلى ذلك "حنا أراندت".
ومهما يكن من أمر فإن العنف لا يمكن أن يكون مبررا ومشروعا، لأنه ذو طبيعة "أداتية"، فهو دائما موجه للاستعمال، ويعمل على تحطيم كل سلطة متوافق عليها، وبالتالي فهو يحطم شروط إمكان قيام جماعة.
..

إرسال تعليق